تمتد الجهة الشرقية على مساحة 82,820 كيلومتراً مربعاً، وتشكل 11.6% من التراب الوطني. تقع في شرق البلاد، ويحدها البحر الأبيض المتوسط شمالاً والجزائر شرقاً. انطلاقاً من موقعها الحدودي والبعيد عن المركز الذي ساهم في تأخرها الاقتصادي والاجتماعي مقارنة بالمراكز الحيوية للبلاد، هل يمكن لمؤهلات المنطقة والجيل الجديد من المشاريع الكبرى التي أطلقت أن تسمح لها بتجاوز عائق التهميش ونجاح اندماجها في الفضاء الاقتصادي الوطني؟ هذا هو السؤال المطروح على الباحث الجغرافي عبد القادر كيتوني، ابن مدينة وجدة الذي ناقش أطروحته للدكتوراه في الدولة مع جان فرانسوا تروا. مؤلف كتاب «شمال شرق المغرب: واقع ومؤهلات منطقة بعيدة عن المركز»، وهو مؤلف مشارك للعديد من الكتب وسينشر قريباً كتاباً عن معاجم المنطقة. وقد حصل على جائزة «غراند أطلس» عام 2006.
لو ماتان: إكراهات التنمية كثيرة، كما تقول، هل يمكنك تقديمها؟ عبد القادر كيتوني:هناك أولاً ثقل التاريخ. فبعد أن شكلت في الماضي «أرضاً لا أحد» متنازعاً عليها بين مملكتي فاس وتلمسان، ثم منذ القرن السادس عشر بين السلالات الشريفة في المغرب وأتراك الجزائر، عاشت الجهة الشرقية خلال الفترة الاستعمارية (1912-1956) على هامش «المغرب النافع» وكانت تتجه نحو الجزائر عبر استيلاء المستوطنين في غرب الجزائر على الأراضي، والهجرة الجزائرية القوية، والمبادلات التجارية مع وهران عبر ميناء الغزوات، منفذ المنطقة. ومع إنهاء الاستعمار، وجدت المنطقة نفسها في موقع بعيد جداً عن المراكز الاقتصادية الحيوية وأقطاب القيادة الوطنية (الدار البيضاء والرباط).
هناك أيضاً الجغرافيا مع الإجهاد المائي في بعض المناطق؟جفاف المناخ، وهو سمة مهيمنة على الإطار الطبيعي، هو عامل مقيد للقدرات الزراعية والمائية. فخارج المحيطات المسقية في سهول ملوية السفلى، التربة الخصبة والمساحات الزراعية نادرة ومحدودة. الزراعة المهيمنة القائمة على زراعة الحبوب البورية تهدف إلى الإنتاج أساساً للاكتفاء الذاتي الغذائي وتخضع لتقلبات المناخ مع فترات جفاف متكررة. العجز المائي مقلق بقدر ما توجد منافسة شديدة على الماء بين الري والاستهلاك الحضري والصناعة.
مناجم تغلق وأشخاص يهاجرون. حتى بداية الألفية الجديدة، نشهد استنزافاً تدريجياً للموارد المنجمية والطاقية مما له تأثير مدمر على بعض المناطق، مثل منطقة جرادة؟مع إغلاق مناجم المنغنيز في بوعرفة عام 1967، والرصاص والزنك في بوبكر وتويسيت عامي 1969 و2002 على التوالي، وحديد ويشان (بني بوفراح) عام 1997، وأنثراسيت جرادة عام 2001. وخارج وحدتين صناعيتين ذات أهمية وطنية، وهما مصنع الدرفلة «سوناسيد» في العروي ومصنع الإسمنت «هولسيم» في العيون، كان النسيج الصناعي للجهة الشرقية يقدم قدرة توظيف ضعيفة ويقتصر على صناعات صغيرة في الوسط الحضري في «المناطق الصناعية» لوجدة والناظور وبركان.
أما الساحل المتوسطي، الذي يمتد على أكثر من 200 كيلومتر، من مصب النكور غرباً إلى مصب كيس شرقاً، فهو غير مستغل بما فيه الكفاية للصيد والسياحة الشاطئية. يمثل الناظور والسعيدية تقريباً المنفذين المينائي والشاطئي الوحيدين للجهة الشرقية على البحر الأبيض المتوسط. أخيراً، تميز اقتصاد المنطقة، خاصة في الوسط الحضري، بانتشار قطاع غير مهيكل يجمع بين المهن الصغيرة وتجارة البقاء، وبانتشار التهريب، وهو مكون من اقتصاد المنطقة، موجود في كل مكان في المدن. يمارس هذا على جبهتين: من الجانب الشمالي مع جيب مليلية الإسباني ومن الجانب الشرقي مع الجزائر.
تعد الجهة الشرقية بالفعل أول بؤرة انطلاق من المغرب نحو أوروبا. منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى الستينيات، كان هناك تيار هجري لليد العاملة الزراعية باتجاه وهران المجاورة. مع استقلال الجزائر، أعيد توجيه تدفق الهجرة نحو أوروبا الغربية (فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، هولندا) وتكثف حتى منتصف السبعينيات. وفي أعقاب آثار الأزمة الاقتصادية لعام 1974-75، اتخذت الدول الأوروبية تدابير للحد من الهجرة الأجنبية (إغلاق الحدود، فرض التأشيرات...). وأمام هذه القيود، اتخذت الهجرة جوانب جديدة: التجمع العائلي، البحث عن منافذ جديدة (إسبانيا، إيطاليا...)، الهجرة السرية. بفضل التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج، تعد الجهة الشرقية مركزاً مالياً مهماً. ومع ذلك، فإن رؤوس الأموال المودعة في مدن المنطقة، خاصة في الناظور ووجدة، غير مستغلة بما فيه الكفاية ولا تساهم بشكل كامل في تمويل الاستثمارات المنتجة.
لقد أشرت في إحدى دراساتك إلى القطب الثالثي ذي الإشعاع الواسع، وتحديداً مع عدد الوكالات البنكية، التي أقل ما يقال عنها أنها تعمل لمناطق أخرى غير الجهة الشرقية؟مع جهاز إداري موسع، وكونها عاصمة ولاية الجهة، والمندوبيات الجهوية للوزارات، والمهن الحرة... تشكل الجهة الشرقية بالفعل قطباً ثالثياً. تبقى نقطة لا يمكن تجاهلها، وهي العدد الكبير للوكالات البنكية، التي انتقلت من حوالي ثلاثين عام 1995 إلى 75 عام 2011. يرتبط هذا التطور بوظيفة ملاذ رؤوس أموال المغاربة المقيمين بالخارج المنحدرين من المدينة. في عام 2009، تلقت الجهة الشرقية ما يقرب من ربع تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج نحو المغرب (11.5 مليار درهم من إجمالي 50). لكن من أصل 9.3 مليار درهم مودعة في بنوك وجدة والجهة الشرقية، تم تعبئة 2.7 مليار فقط محلياً، أي 28%؛ أما الباقي، 72%، فيستثمر في الغرب والدار البيضاء. نسبة القروض إلى الودائع، وهي الأدنى في المغرب (28%)، تعني أن الودائع البنكية للجهة الشرقية تمول تنمية مناطق أخرى.
جيل جديد من المشاريع. الخطاب الملكي ليوم 18 مارس 2003 أحدث انعطافة قوية وأطلق عملية جديدة. النتائج الأولى موجودة، حتى وإن كان يجب تعزيزها وتقويتها. ولا يتعلق الأمر بأعمال بسيطة، بل بمشاريع قطاعية كبرى يجب أن تسمح، إذا تمت مواكبتها بشكل جيد، بتدارك التأخر؟بسبب موقعها الجغرافي والحدودي، كان على الجهة الشرقية الاستفادة من مجهود خاص للدولة في مجال الاستثمارات. كان على الدولة دفع تنمية المنطقة من خلال إنجاز مشاريع تجهيزات ثقيلة ذات أهمية وطنية. هذه الأخيرة، التي يجب أن تشكل إجراءات جوهرية ستظهر آثارها على المدى الطويل والمتوسط، قادرة على إحداث تأثير محفز لقطاعات اجتماعية واقتصادية أخرى. يتعلق الأمر بشكل خاص بمشاريع تم إنجازها أو في طور الإنجاز تهدف إلى فك العزلة عن الجهة الشرقية وتحسين بنياتها التحتية الطرقية والسككية: مقاطع الطريق الساحلي المتوسطي طنجة-السعيدية التابعة لتراب الجهة، الطريق السيار فاس-وجدة، الطريق السريع وجدة-الناظور، السكة الحديدية تاوريرت-الناظور، تثنية وكهربة المحور السككي فاس-وجدة. وجدة هي نوع المدينة التي خلقت جهتها ونسجت شبكة من الوصلات في منطقة نفوذها بفضل موقعها كملتقى طرق حدودي وماضيها الحضري. تضع نفسها على رأس شبكة حضرية جهوية بموقعها عند تقاطع طرق المواصلات. إنها في نفس الوقت عقدة طرقية، ومحطة فرز كبيرة عند تقاطع المحاور السككية فاس-وهران وبوعرفة-الغزوات ومطار دولي بحركة مرتبطة بعودة المغاربة المقيمين بالخارج من الدول الأوروبية في الصيف. بخصوص مشاريع التنمية، يجب ذكر آخر مشروع دشنه صاحب الجلالة الملك، بالقرب من مطار وجدة، وهو «تكنوبول»، ورش كبير يهدف، من خلال توطين شركات التكنولوجيا العالية، إلى خلق فرص شغل وجذب الاستثمارات. ورش يتوفر على بيئة من الأكثر ملاءمة، خاصة في مجال المدارس العليا. بتوفرها على سبع مؤسسات للتعليم الجامعي (أربع كليات وثلاث مدارس عليا: المدرسة العليا للتكنولوجيا، المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية، المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير)، تعد وجدة خامس مدينة جامعية في المغرب من حيث عدد الطلاب (32,000 في 2012)، التي تمتد منطقة استقطابها إلى كل الجهة الشرقية. هناك مشاريع أخرى ستسمح بترسيخ الجهة الشرقية في محيطها الوطني والجهوي. لدينا مشاريع أخرى مثل المحطة الحرارية لعين بني مطهر، والموقع المثالي للأكروبول في بركان، ولكن أيضاً المشاريع الكبرى لتزويد الماء، وإنشاء مراكز مهنية يجب أن تطلق دينامية جديدة.
أنت توصي بـ «حلول أخرى للمساعدة في تنمية المنطقة»؟من خلال سياسة إرادية للتنمية، يمكن لمساهمة الدولة أن تتخذ أيضاً عدة أشكال: إعفاءات ضريبية، تسوية مسألة الأنظمة العقارية، وما وراء صندوق الاستثمار، إنشاء صندوق لتنمية الجهة الشرقية على غرار تلك الموجودة في بعض مناطق العالم التي تداركت تأخرها الاقتصادي. مثال جنوب إيطاليا، «ميزوجيورنو»، مفيد في هذا الصدد بالنظر للمشاريع المنجزة بفضل «صندوق الجنوب» (Cassa per il Mezzogiorno)، وهي هيئة شبه عمومية أنشئت عام 1950 ومخصصة لتقديم مساعدة مالية وتقنية لتنمية الجنوب.
أنت تشير، في كتاباتك، إلى الأضرار الناجمة عن تكرار دورة فتح-إغلاق الحدود. ماذا تقصد بذلك؟الوظائف المتنوعة لوجدة سمحت لها باستقطاب تراب واسع، رغم أن منطقة نفوذها مبتورة شرقاً بخط الحدود المغربية-الجزائرية. منذ الستينيات، تعرف وجدة تكرار دورة إغلاق-فتح الحدود التي تعاني من تأثيرها. وبسبب التقلبات السياسية في العلاقات الثنائية، فإن الشكل الرئيسي للمبادلات الذي لا يزال قائماً بين الجزائر والمغرب هو التهريب، الذي أصبح مكوناً من الاقتصاد الحضري والجهوي. عائدات التهريب الكبير، الذي يدر رقم معاملات بمليارات الدراهم سنوياً، استخدمت، من الجانبين، على غرار تبييض أموال تجارة المخدرات، لبناء ثروات. ولأنها ليست محكمة الإغلاق، يتم عبور الحدود المغربية-الجزائرية محلياً، انطلاقاً من التراب الجزائري، من قبل مواطنين من أفريقيا جنوب الصحراء من عدة جنسيات (ماليون، نيجيريون، سنغاليون، غينيون، بوركينابيون...) على أمل الوصول إلى مليلية والركوب سراً نحو إسبانيا. خلال السنوات الأخيرة، الجهة الشرقية المغربية، التي كانت في البداية فضاء عبور نحو «إلدورادو الأوروبي»، تميل لتصبح منطقة استقرار لـ «الحراكة»، المهاجرين السريين.
اندماج الجالية المغربية المنحدرة من الجهة الشرقية في التنمية الجهوية
الجهة الشرقية، تراب مساحته 82,320 كيلومتراً مربعاً، يقع في الامتداد الشمالي الشرقي للمملكة، بسكان يقارب عددهم مليوني نسمة، كانت دائماً، بحكم تاريخها وجغرافيتها، منطقة تدفقات اقتصادية واجتماعية مفتوحة على محيطها الدولي. مع نافذتيها، واحدة تطل شرقاً نحو الجزائر، وباقي المغرب العربي وبالامتداد نحو أفريقيا جنوب الصحراء، والثانية تطل على المحيط المتوسطي.
هذه الجغرافيا شكلت مصير هذه المنطقة الحدودية التي أصبحت حساسة جداً لدرجة كثافة المبادلات مع محيطها الدولي المباشر. أجزاء عديدة من الاقتصاد الجهوي بنيت على أساس الروابط الحدودية مع، خاصة، الجزائر شرقاً وإسبانيا شمالاً (تجارة وخدمات، نقل طرقي وبحري وسككي، بنوك وخدمات مالية، إلخ). تحليل التدفقات الاقتصادية للمنطقة يظهر علاوة على ذلك أن هذه الأخيرة كانت تاريخياً منطقة عبور أكثر منها منطقة تثمن مواردها محلياً.
بعد المنطقة عن مراكز القرار الوطني أجبر، علاوة على ذلك، الاقتصاد الجهوي على البقاء رهينة للظروف الحدودية. شرقاً، كانت الحدود منذ الاستقلال حتى اليوم مغلقة أكثر منها مفتوحة؛ وضع أدى بالمنطقة للبقاء في وضع «انتظارية اقتصادية» بسبب اندماج جهوي للمغرب العربي مؤجل دائماً إلى «التقويم اليوناني».
هذا السياق الاقتصادي، الناجم عن بعد المنطقة عن مركز البلاد وإغلاق الحدود شرقاً، دفع المنطقة لتوجيه تدفقاتها نحو شمال المتوسط؛ في هذه الحالة نحو أوروبا. اليوم، أصبحت الجهة الشرقية، بجاليتها ومبادلاتها الاقتصادية، واحدة من أكثر جهات المملكة اتصالاً بأوروبا. إنها واحدة من الحقائق التي لا تزال غير معروفة على المستوى الوطني والدولي.
يقدر أن ما بين 800,000 إلى مليون رجل وامرأة منحدرين من الجهة الشرقية موجودون في الخارج، أساساً في أوروبا. إذا قارنا هذا الرقم برقم السكان الإجمالي للجهة الشرقية الذي لا يتجاوز مليوني نسمة (حسب إحصاء 2004)، يمكننا قياس أهمية الروابط الإنسانية للجهة الشرقية مع الضفة الأخرى للمتوسط.
التقديرات الإحصائية المتعلقة بالجالية تشير إلى أن 70% من المغاربة المقيمين في ألمانيا منحدرون من الجهة الشرقية، نفس الرقم يطرح بالنسبة لهولندا، 60% في إسبانيا، 50% في بلجيكا و30% في فرنسا. وبالمثل، حسب الأرقام المتوفرة، 25% من التدفقات المالية للجالية المحولة إلى المغرب (أكثر من 4 مليارات يورو عام 2007) تحول نحو الجهة الشرقية. في مجال الاستيراد والتصدير، 80% من عائدات منتجات تصدير المنطقة (منتجات زراعية وصناعية غذائية) تأتي بفضل الصادرات نحو الأسواق الأوروبية. قرب إقليم مهم مثل الناظور من الجيب الإسباني المحتل مليلية يولد تيارات مبادلات اقتصادية غير مهملة.
في انتظار بناء المغرب العربي، أقامت المنطقة روابط قوية مع أوروبا، خاصة من خلال سكان المغاربة المقيمين في الدول الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا، إلخ) والمنحدرين من المنطقة. وكالة الجهة الشرقية أدمجت بالكامل هذه الحقيقة وتأخذها بعين الاعتبار في إطار استراتيجية التنمية الجهوية، خاصة في شقها المتعلق بالتعاون الدولي.
بقلم توفيق بودشيش، مدير التعاون والترويج بوكالة الجهة الشرقية

