يعاني سكان حي النجاح في سيدي معروف معاناة حقيقية. فقد وجدت مئات العائلات نفسها، بين عشية وضحاها، محاصرة بالمصانع التي اتخذت من الحي مقراً لها. ومع مرور الوقت، قامت غالبية هذه المصانع بتعديل عمليات التصنيع الخاصة بها للحد من التلوث الذي تنتجه (مثل زيادة ارتفاع المداخن، واستخدام البروبان كوقود بدلاً من الفيول شديد التلوث، إلخ). ولكن منذ بضع سنوات، تم إنشاء مصنع للملابس متخصص في الجوارب مباشرة أمام المنطقة السكنية في حي النجاح. ويبدو أن المصنع المعني لا يزال يستخدم الفيول كوقود. ووفقاً للسكان، بمجرد تشغيل المدخنة، يصبح من المستحيل الخروج إلى الخارج. والأسوأ من ذلك، أن المنازل تغزوها أدخنة كثيفة وتنتشر رائحة كريهة في جميع أنحاء الحي. ونتيجة لذلك، قام بعض السكان بتغطية نوافذهم بالبلاستيك لمنع الدخان من غزو منازلهم. يوضح أحد سكان الحي قائلاً: «منذ إنشاء شركة CIB (الشركة الصناعية للجوارب)، وحتى مع إغلاق النوافذ، تتسرب الروائح إلى المنزل وتسبب لنا ضرراً كبيراً. كما تتراكم جزيئات سوداء على الأرض والجدران والمطبخ…». وفي مواجهة هذا الوضع، تضامن السكان ووقعوا عرائض تندد بما يعانونه بسبب الأدخنة الملوثة. وقد تم تعزيز هذه العرائض بشكاوى مقدمة إلى عمالة مقاطعات عين الشق، لكن الوضع لا يزال على حاله. وتؤكد إحدى الأمهات: «بعد قرابة عام من إنشاء هذا المصنع، بدأ ابني البالغ من العمر 10 سنوات يعاني من مضاعفات تنفسية. وأوضح لي الطبيب أنه أصيب بالربو بسبب الاستنشاق المستمر لهذه المواد السامة الموجودة في الدخان».
إزعاج عاموفقاً لنادل في مقهى مجاور، بمجرد تشغيل المدخنة، «يهرع جميع الزبائن الموجودين في الشرفة إلى الداخل حيث نغلق الأبواب بانتظار توقفها. قد يستغرق الأمر 15 دقيقة أو أكثر من ساعة». كما يشعر أصحاب الوجبات الخفيفة المحيطة بالقلق بشأن ما يقدمونه لزبائنهم، خوفاً من تلوث الطعام بالانبعاثات المعنية. وتشير شهادات متطابقة إلى وجود جزيئات سوداء تتسرب عبر النوافذ. وتوضح أم أخرى: «أجدها على الأرض وفي كل مكان في المنزل. الأثاث يتضرر بشدة، وتصبح ستائري في حالة يرثى لها ويصعب غسلها بسبب مادة دهنية تترسب عليها. الأدخنة المنبعثة من المصنع تسبب لنا آلاماً في الأنف والحلق والعينين». وبالنسبة لصاحب شركة مجاورة، فإن الأدخنة المنبعثة من المصنع المعني تسبب له ضرراً مزدوجاً. ويشير قائلاً: «أولاً، تم إغلاق جميع نوافذ شركتي. بالإضافة إلى ذلك، يمرض عمالي كثيراً. في الأسبوع الماضي فقط، عندما تم تشغيل غلاية شركة CIB، كاد أحد موظفيّ الذي كان يعمل في الفناء أن يختنق، وأصيب فجأة بنوبات قيء مستمرة بسبب الروائح الكريهة. كل يوم، نقوم بكنس كميات كبيرة من الجزيئات السوداء». من ناحية أخرى، عند الاتصال بهم هاتفياً للحصول على وجهة نظرهم، وكذلك حول أي إجراء محتمل اتخذته الشركة لوضع حد لهذه المشكلة، ظل مسؤولو شركة CIB غير متاحين.
الصحة وجودة الهواء
يمثل تلوث الهواء خطراً بيئياً كبيراً على الصحة. وتعتمد الصحة التنفسية (على المدى القصير والطويل) والقلبية الوعائية لسكان المدينة بشكل مباشر على مستوى تلوث الهواء. وتقدر منظمة الصحة العالمية (OMS) أن تلوث الهواء الداخلي مسؤول عن حوالي 2 مليون حالة وفاة مبكرة، خاصة في البلدان النامية. ومن الناحية العملية، يعود نصف هذه الوفيات تقريباً إلى الالتهاب الرئوي لدى الأطفال دون سن الخامسة. إن التعرض لملوثات الهواء يخرج إلى حد كبير عن نطاق السيطرة الفردية ويتطلب من السلطات العامة اتخاذ التدابير اللازمة.

