لوماتان: ما هو التقييم الذي تقدمونه اليوم لمرور 25 عاماً على إنشاء وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس (Ader Fès)؟
فؤاد السرغيني: لقد حظيت شخصياً بفرصة الانضمام إلى مندوبية حماية مدينة فاس كطالب متدرب في الهندسة المعمارية، ثم حضور إنشاء الوكالة كمتدرب أيضاً في عام 1989، والالتحاق بها بمجرد إتمام دراستي في عام 1990. بدأت الوكالة أنشطتها فعلياً في يناير 1991 وتطورت على مدى 25 عاماً بصعوباتها وإكراهاتها، ولكن أيضاً بمكتسباتها ومساهمتها المهمة في حماية مدينة فاس العتيقة. أود أن أوضح أن الوكالة كانت مغامرة مؤسساتية. لم يسبق للدولة المغربية أن أنشأت هيكلاً مماثلاً، وكان المبادرون شجعاناً وجريئين، لأنهم لم تكن لديهم رؤية حقيقية، خاصة فيما يتعلق بتطورها وتمويلها. أُنشئت الوكالة في الشكل القانوني لشركة مجهولة الاسم (SA) بمهام تتمثل في بناء أحياء مخصصة أساساً لإيواء جزء من سكان وأنشطة المدينة العتيقة، واقتناء الأراضي والعقارات للتقسيم والتهيئة وإعادة التأهيل، وبناء أو تجديد البنايات المخصصة لإعادة إسكان السكان. لكن منذ البداية، وجد الهيكل نفسه أمام مشاكل ذات طابع اجتماعي ومواجهة لعدة صعوبات مالية، لأنه لم يكن يتوفر على أموال كافية.
ومع ذلك، ورغم مختلف الإكراهات التقنية والقانونية والسوسيو-اقتصادية والمالية التي أثرت على الحفاظ على مدينة فاس العتيقة، تمكنت الوكالة من قيادة عدة مشاريع بفضل مثابرة مهندسيها ومعمارييها وتقنييها ودعم مجلس إدارتها والمجتمع المدني الذين سمحوا بالحفاظ عليها على قيد الحياة. تعرضت الوكالة للانتقاد بسبب تدبيرها لورش ترميم المدينة العتيقة؟
أود أن أوضح أننا نتدخل في نسيج قديم وحي. بالإضافة إلى نقص الوسائل المالية، هناك الكثير من المشاكل التي نواجهها وهي ذات طابع قانوني وتقني واجتماعي. يضاف إلى ذلك الضغط الديموغرافي القوي جداً الذي يعقد مختلف الاستراتيجيات ويؤخر المشاريع الرامية إلى إعادة تأهيل وحماية المدينة العتيقة. اليوم، وبعد عدة سنوات من الوجود، أصبحت الوكالة هيكلاً مدمجاً جداً في النسيج المؤسساتي والاجتماعي لمدينة فاس. وبفضل مختلف البرامج التي أطلقت ومولت سواء من قبل الحكومة، أو وزارة الأوقاف، أو وزارة الإسكان، أو في إطار التعاون الأجنبي، تمكنت وكالة فاس اليوم من تطوير خبرة مهمة في مجال التدخل في النسيج القديم ومنهجية العمل. ما هي البرامج التي نُفذت في إطار التعاون الأجنبي والتي قدمت أكبر قيمة مضافة للوكالة؟
قادت الوكالة عدة برامج مدرجة في إطار التعاون الأجنبي، خاصة مع البنك الدولي و«حساب تحدي الألفية» (Millennium Challenge Account). ومن خلال كل برنامج، اكتسبنا خبرة معينة وطورنا طرقاً ومقاربات جديدة للتدخل في نسيج قديم وحي عمره 12 قرناً. أذكر أنه فيما يتعلق بهذا البرنامج الأخير المدرج في إطار «ميثاق تحدي الألفية» في 31 أغسطس 2007، الموقع بين حكومة المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، عبر مؤسسة تحدي الألفية (MCC)، تعمل الوكالة ككيان تنفيذ وصاحب مشروع مفوض لمشروع الصناعة التقليدية بفاس المدينة. وهكذا قدنا إطلاق مختلف المشاريع المدرجة في إطار هذا البرنامج مثل مشروع تهيئة الساحة التاريخية لـ «للا يدونة». وبمناسبة الذكرى الـ 25 للوكالة، وضعنا حصيلة رقمية رهن إشارة شركائنا والصحافة. هل هناك في الأفق برنامج جديد في إطار مؤسسة تحدي الألفية؟
هناك ميثاق جديد قيد الإعداد، لكننا لا نتوفر على مستوى الوكالة على معلومات دقيقة حول برنامج محتمل. نأمل الحصول على تمويلات للمدينة العتيقة لفاس في إطار برامج أخرى غير مؤسسة تحدي الألفية. وقد تمكن سفير الولايات المتحدة الذي زار فاس الأسبوع الماضي من الاطلاع على حالة تقدم المشاريع التي أطلقت في إطار المؤسسة ونأمل أن يفتح ذلك الطريق لتعاونات أخرى. وماذا عن التعاون الأوروبي؟
لا يزال التعاون الأوروبي محدوداً بعض الشيء في برامج «ميد» (MED) التي هي تمويلات مخصصة للدراسات والخبرات. اليوم، تقود الوكالة برنامجين كبيرين أُطلقا تحت رعاية صاحب الجلالة. هل هذه البرامج على السكة؟
أعتقد أنه مع كل الصعوبات التي عشناها، تعيش الوكالة اليوم منعطفاً كبيراً مع البرنامجين الكبيرين اللذين أطلقهما جلالة الملك العام الماضي. باستثمار يفوق 615 مليون درهم، يجب أن يهم البرنامج الخماسي للترميم 2013-2017 ما يقرب من 4.000 بناية مهددة بالانهيار، بالإضافة إلى 27 مأثرة وموقعاً تاريخياً بالمدينة العتيقة لفاس. كما يجب أن يغطي برنامج الترميم المدابغ والجسور والمدارس التي بنتها الدولة المرينية بين القرنين 13 و14. لقد حظيت بشرف مرافقة صاحب الجلالة في جولته بالمدينة العتيقة لفاس ومعاينة اهتمامه بهذه المدينة وسكانها، وهو اهتمام تجسد في توقيع هذين البرنامجين الكبيرين والذي يلقي على عاتق الوكالة مسؤولية كبيرة. مهمة نقوم بها بدعم من شركائنا المحليين. ولا تمر أسبوع دون أن يعقد الوالي اجتماعاً للاطلاع على التقدم المحرز. اليوم، أطلقنا 10 أوراش للترميم من بين 27 مقررة وأعتقد أننا على المسار الصحيح. أود أن أوضح أن الوكالة أصبحت نموذجاً ومرجعاً لمدن المملكة الأخرى التي ترغب في استلهام خبرتها الدقيقة في مهن إعادة التأهيل التي طورتها خلال 25 عاماً. خبرة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب التاريخية والتقنية والبشرية أيضاً، مع العلم أن هناك دائماً جهوداً يجب بذلها لتحسين مقاربتنا أكثر. وقد استقبلنا للتو ممثلي 9 مدن مغربية لمدة ثلاثة أيام في إطار التعاون الألماني وبدعم من وزارة الداخلية والمديرية العامة للجماعات المحلية. استقبلنا مسؤولين من الرباط الذين يقومون حالياً بتركيب مؤسساتي لهيكل مماثل للوكالة. وماذا عن مشروع تحويل الوكالة إلى مؤسسة عمومية، أو حتى وكالة وطنية؟
هناك تفكير لجعل هذه السنوات الـ 25 للوكالة مفيدة للسماح للمدن التاريخية الأخرى في المغرب بعدم القيام بنفس المسار، وارتكاب نفس الأخطاء ومواجهة نفس المشاكل، والاستفادة من تجربتها، خاصة على المستوى التقني، والتدخلات، والبدائل التقنية والمواد المستخدمة، وكذلك على المستوى الاجتماعي، لأننا طورنا هندسة اجتماعية على مر السنين. هناك تفكير جدي لتحويل الوكالة إلى مؤسسة عمومية وهناك مشروع، على المستوى الوطني، لتحويلها إلى وكالة وطنية، لكن هذا المشروع لم يتم الانتهاء منه والمصادقة عليه بعد.
أخبار 24 Jun 2014 5 دقائق قراءة
«وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس أصبحت نموذجاً ومرجعاً لمدن المملكة الأخرى»

